محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي

285

المجموع اللفيف

وقول العرب : ( عليك بأمر مبكياتك لا مضحكاتك ) [ 1 ] ، وقولها : ( إن من صدقك فأرمضك ، خير لك ممن غرّك فسرك ) ، وإنما تلك الطائفة إخوان الخوان ، وفراش الطمع ، وإذا أنت ميّزت قول أحدهم علمت أنه قد زاغ عن الحق وبرح ، وأنه لا حقّ الله أدى ، ولا السلطان نصح ، وإنما الصديق الصدوق من لا يكفّ عن واجب النصح لجزع ، ولا يسفّ بزخرف القول لطمع ، والله ولي التوفيق . وإذا قد أشفينا على الإملال والإضجار ، وبؤنا في الذنب في الإطالة والإكثار ، فلنعد إلى التنصّل والاعتذار ، وأقول : إنّ كاتب رسالة ، ومنشئ خطاب إلى مثلك ، ولا مثل لك في قوة الانتقاد ، وجودة الارتياد ، يحتاج أن ينتقد النسخ تحكيكا وتنقيحا ، ويستشرف الأدراج تسويدا وتصحيحا ، فربّما وصل إلى السلامة عليك دون أن يظفر بالإحماد منك ، فأما إذا أبدت البديهة في إملائها ارتجالا ، وأرسل الخاطر في إنشائها إرسالا ، فقد تقدم إليك على آلة حدباء [ 2 ] نابية ، [ 104 ظ ] الظهر ، إلا أن يتيح اللّه منك سجية للعثرات مقبلة ، وعينا عن الهفوات كليلة . وبعد فاكثاري عليك ، جمع اللّه بك شمل الحكم ، وحرس علينا وعليك ضوافي النعم ، بحسب ما يبلغني عنك من لهجك برقاعي إذا وصلت إليك ، وغرامك بكتبي إذا عرضت عليك ، فذلك يدعوني إلى مناجاتك ، ويحدوني إلى مناغاتك ، فيما يختلج بفكري ، فان يقع مواقع الإحماد ، فالمنّة لك ، لأنه كسب يدك ، وإن يرد لموارد الإنكار ، فالسهو منك ، ونفسك حيث علمك ، عصمنا اللّه وإياك من محفظات الكلم ، وصرف عنا وعنك موبقات النّقم ، وحسبنا اللّه وحده . تمت الرسالة . وعلى السادة الأخيار محمد وآله الأبرار السلام كثيرا .

--> [ 1 ] هذا مثل : ( أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك ) جاء في : مجمع الأمثال 1 / 30 ، فصل المقال ص 319 ، المستقصى 1 / 362 ، جمهرة الأمثال 1 / 82 . [ 2 ] الآلة الحدباء : نعش الميت ، قال كعب بن زهير في قصيدة البردة : كل ابن أنثى وإن طالت سلامته * يوما على آلة حدباء محمول